|
في معظم البلاد العربية الآن صار الحصول على رخصة قيادة الحاسوب الدولية شرطاً للتعيين في وظيفة والحصول على فرصة عمل، ومن ثمَّ فلا يعقل أن يعيش أولادنا بمعزل عن التكنولوجيا والحاسوب والإنترنت. ولقد خلصت في المقال الماضي إلى أن للإنترنت فوائد وأخطاراً، فهي إما أن تكون نعمة وذلك إن أحسنَّا استثمارها، وإما أن تكون نقمة إن أسأنا استخدامها، وختمت المقال بالسؤال التالي: كيف نحمي أولادنا من أخطار الإنترنت؟ ويمكن حماية أولادنا من أخطار الإنترنت من خلال حصانتين اثنتين: الحصانة التربوية، والحصانة الفنية التقنية.
أولاً: الحصانة التربوية
يمكن للآباء والمربين تحصين الأولاد من الإنترنت تربوياً بما يلي: تنمية وعي أولادنا بأهمية الإنترنت في إنجاز واجباتهم وأنشطتهم وذكائهم وتفكيرهم ومواهبهم ومهارات الحياة، والإلمام بثقافة العصر، وإتقان مهارات التعامل مع التكنولوجيا، ومساعدتهم على النجاح في الحياة. تنمية مهارات الاستماع الناقد والقراءة الناقدة لدى أولادنا، بحيث تمكنهم من تمييز الغث من السمين والرديء من الجيد. تدريب أولادنا على إدارة وقتهم إدارة ذاتية، دون تدخلنا الحرفي التقليدي الذي تغلب عليه التعليمات التقليدية والأوامر الصارمة. فمن شأن هذا التدريب أن يجنبهم إدمان الإنترنت، ويجعلهم قادرين على توزيع أوقاتهم بين إنجاز الواجبات والتكاليف من ناحية، وبين الترفيه الهادف من ناحية أخرى، ومن ثم يقيهم ذلك العواقب الوخيمة والآثار السلبية الاجتماعية والنفسية والصحية المترتبة على إدمان الإنترنت. الاهتمام في البيت والأسرة بغرس القيم الأخلاقية في نفوس أولادنا، لتكون بالنسبة لهم ميثاقاً ذاتياً ينقِّح «يفلتر» ما يعرض لهم من مشاهد ومواقف، وليضبط أقوالهم وأعمالهم وفق منهج الله تعالى. ومن أهم هذه القيم التي تكون بمثابة حصانة شرعية لأولادنا ـ التقوى، والمراقبة، ولنعودهم دائماً أن يضعوا نصب أعينهم قوله تعالى: يّعًلّمٍ خّائٌنّةّ الأّعًيٍنٌ $ّمّا تٍخًفٌي پصٍَدٍورٍ >19< (غافر)، وقوله عز وجل: $ّهٍوّ مّعّكٍمً أّيًنّ مّا كٍنتٍمً $ّاللَّهٍ بٌمّا تّعًمّلٍونّ بّصٌيرِ (4) (الحديد: 4). الاهتمام بعلاج إدمان الإنترنت بأشكاله المختلفة، فقد انتشرت العيادات المتخصصة في علاج هذا المرض الذي تعددت أشكاله، فمنها الإدمان الجنسي على الإنترنت من خلال المحادثات الكتابية أو الشفهية الهابطة، في غرف الدردشة والشات، أو من خلال المحادثات بالصوت والصوة من خلال برامج «الماسينجر» باستخدام الميكرفون «المايك» و«الكاميرا» أو من خلال دخول المواقع الإباحية، أو لعب القمار والمراهنات، وإدمان اللعب الإلكتروني، وإدمان العلاقات والصداقات الإلكترونية التي تكون في أغلبها زائفة، لأنها لا تُبنى على الصدق، بل على الكذب والتزييف، ولكل هذه الأشكال متخصصون يعالجونها تماماً كما يعالج الأطباء مدمني التدخين والمخدرات. أن تقوم جميع المؤسسات التربوية والإعلامية بأدوارها في علاج هذه المشكلات، وأن تهتم كل دولة بشبابها وبناتها أمل المستقبل، ورصيد المجتمع، وذلك بحظر المواقع الإباحية، ووضع لوائح العقاب وتنفيذها على العصابات التي تروج للانحراف بأنواعه المتعددة، سعياً لإيجاد مجتمع نظيف، وتربية شباب واعد ينهض بمجتمعه وأمته. إذا كان الحاسوب خاصاً بأحد أفراد الأسرة، أو بهم جميعاً «من المحارم»، ولا يفتحه غيرهم.. فأقترح للشاب أن يجعل من صورة أمه أو إحدى محارمه خلفية لشاشة الحاسوب، بحيث تكون واعظاً له، وتردّه إذا سولت له نفسه أن يلفظ لفظة لا تليق، ويحسن أن يقرنها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في حواره مع الشاب الذي جاء يستئذنه في الزنى، فقال له: «أترضاه لأمك»، وغير ذلك من كلمات العظة المؤثرة، مثل: «عفوا تعف نساءكم». أن يكون الحاسوب ووصلة الإنترنت في مكان وجود العائلة «الصالة أو غرفة المعيشة»، لا في غرف نوم أولادنا. أكثر من الحوار مع أولادك، ولا تخاطبهم خطاب القاضي للمتهم، بل خطاب الصديق لصديقه، واجعل حوارك معهم صريحاً ومرناً وليناً. إذا لاحظت أن أحداً من أولادك يدخل الإنترنت كثيراً وفي أوقات الليل المتأخرة فناقشه، واطلب منه أن تتعرف على من يكلمهم، فإن وجدت خطورة أو مخالفات ممن يتصلون بأولادك فحذرهم وبادر بالاتصال بإدارة خدمة الإنترنت أو قدم شكوى لمن يهمه الأمر إذا كان الخطر يستلزم ذلك. عوِّد أولادك أن يتجنبوا تماماً مقابلة أي شخص لا يعرفونه أو عرفوه عن طريق الإنترنت، فإن رأيت إصراراً لدى أولادك للتعرف على ما يسمونهم بأصدقاء الإنترنت فعوِّد أولادك ألا يتم ذلك إلا بشرطين: الاستئذان من الوالدين، وإتمام المقابلة في مكان عام تحت أعين الأب والأم على الأقل أو حضور الأسرة. علِّم أولادك ألا يتجاوبوا أبداً مع أي رسائل أو إعلانات مثيرة، وعلمهم أن يبلغوك فور وصول رسالة من هذا النوع. ضع لائحة أسرية لاستخدام الحاسوب والإنترنت، وحاول أن تكافئ الملتزم بها، وتعاقب غير المتلزم من أفراد أسرتك.
ثانياً: الحصانة الفنية التقنية
ارتق بنفسك في مهارات التعامل مع الحاسوب والإنترنت، إذ ينبغي أن تكون قدوة لأولادك، كما أنك لن تفهم ما يجري من حولك بخصوص تعاملهم مع الإنترنت إلا إذا أتقنت هذا المجال، ولا يليق بك أن تكون أقل من أولادك. قد يدخل طفلك الإنترنت من المدرسة، أو من البيت أو من المقهى، أو من عند صديق دون أن يدرك الانعكاسات السلبية لذلك، ومن ثم يجب أن تبصره بقواعد الأمن والسلامة وتحصين الخصوصيات من أن يطلع عليها الآخرون، فإن لم يكن الآباء قادرين على ذلك، فيجب أن يساعدوا أولادهم كي يتدربوا على ذلك في مراكز مأمونة متخصصة موثوق بها. متابعة الآباء للطفل وأنشطته على الحاسوب، ويشير المتخصصون إلى عدة وسائل في ذلك، منها تزويد جهاز الحاسوب ببرامج لرصد هذه الأنشطة، ووضع علامة للمواقع المفضلة لدى الطفل ليسهل الوصول إليها. واطلب من أولادك مساعدتك في ذلك وأقنعهم بأن ذلك ليس تجسساً ولا ضعف ثقة بهم، وإنما هو حرص على حماية نفسك وأفراد أسرتك من أهل السوء، وحذرهم من دخول غرف الدردشة الخاصة، بعد مناقشتهم في أخطارها دون مبالغة ودون افتعال، والأفضل أن يأتي ذلك في سياق طبيعي، وتوعية الأولاد بخطورة الكشف عن المعلومات الشخصية، كالعنوان، ورقم الهاتف، أو عنوان البريد الإلكتروني أو عنوان البيت أو اسم المدرسة، أو رقم الحساب في البنك... وغير ذلك. يجب تعريف أولادنا بالمواقع المحترفة في التجسس على بيانات الشخص أو التي لديها نهم وشهوة في ذلك، ومن أهم هذه المواقع تلك التي تستخدم ما يسمى بـ«الكوكيز» فيجب مسحها باستمرار. استخدام أفضل برامج مكافحة الفيروسات وبرامج الحماية الشخصية، مثل برامج «جدران النار firewall» لحماية حاسبك المنزلي، فتأمين المعلومات والبيانات الشخصية حصانة واقية لك ولأفراد بيتك. لاحظ أولادك.. من منهم يتعامل مع الإنترنت بشفافية، أي أمام أعين أفراد الأسرة؟ ومن يحرص على إغلاق الباب ووضع الحاسوب في مكان بحيث إذا تعامل معه لا يراه غيره؟ فإذا كان ولدك من النوع الأخير فيلزم التحاور معه حواراً تربوياً هادئاً هادفاً مرناً يؤدي إلى تصحيح ذلك، بأسلوب غير مباشر: «ما بال أقوام؟!» وليس بأسلوب القاضي للمتهم. استخدم محركات البحث وغيرها من الوسائل في معرفة جولات أولادك وصولاتهم في مواقع الإنترنت، وذلك بشكل دوري فسير عملية البحث يكون محفوظاً ضمن متصفحات الإنترنت، وخاصة internet explorer وnetscape، وموقع google، وحتى إن قام المستخدم من أولادك بحذف المواقع التي دخلها.. فإنك ستعرف أنه حذفها، فناقشه بأسلوب: «ما بال أقوام»، كأن تحكي له أن صديقاً لك يشكو من أولاده أنهم يدخلون مواقع ـ ربما تكون إباحية ـ لكنهم يحذفونها، وأن هذا الأمر يحيره ولا تناقش ولدك هذا مناقشة القاضي للمتهم. احكِ لأولادك ـ وخاصة البنات ـ ما حدث لغيرهن من خلال التعارف عبر الإنترنت من حوادث ومآس، ويجعل الإنسان دائماً على وعي بأخطار ذلك. أكثر من الدعاء لأبنائك وبناتك وأبناء المسلمين وبناتهم ورجالهم ونسائهم بأن يحفظنا الله جميعاً من كل سوء.... آمين.. آمين.. آمين.
عن مجلة المجتمع
|